رمضان الخير

رمضان الخير


كانت الساعة قد قاربت علي السادسة و في الحقيقة كنت متعبا بشدة .. لا أدري هل بسبب الصيام ام بسبب جسدي المتعب منذ عدة ايام و لكن الشئ الوحيد الذي ادركته جيدا هو ان موعد الافطار لا شك سيفوت قبل ان أصل الي البيت فأمامي رحلة سفر ستستغرق علي الاقل ساعة و نصف.

تجلدت حتي وصلت الي موقف الحافلات و هناك وجدت حافله  تنتظرني و عيون الركاب فرحة بقدوم راكب جديد و كلهم امل في ان يدركوا الافطار في بيوتهم ، و لكن بواقعية اكثر ذهبت سريعا الي محل مجاور و اشتريت زجاجة مياه و انا احدث نفسي قائلا "لا شك انني لن اجد ما افطر عليه في الطريق او حتي اتناول الدواء فلا مانع من شراء زجاجة مياه علي الاقل" ، اشتريت الزجاجة و اتجهت عائدا الي السيارة لتبدأ رحلة انتظار باقي الركاب

مر الوقت و اقتربت الساعة من السادسة و الربع و هنا نفد صبر الجميع و اتفقنا علي ان نتحمل تكلفة المقاعد الشاغره حتي لا نتاخر اكثر من ذلك. و لكن سبحان الله ما ان وضع السائق يده علي المقود حتي اكتمل عقد الركاب جميعا و انطلقنا بحمد الله و لسان حالي يقول "يد الله مع الجماعة فحينما اتحدنا علي رأي واحد جاء الفرج من الله" …. اعلم ان الموضوع بسيط لكن في الحقيقة هذا ما شعرت به حينها و بمناسبة الشعور الجيد فلا انكر ان نفسي الشحيحة قد سعدت عندما علمت انها لن تدفع اجرة زائدة.

انطلقت السيارة بعد ان ادرك الجميع اننا سنفطر في الطريق جميعا ان شاء الله … لا ادري كيف كان استعداد باقي الركاب لهذا , بالنسبة لي فقد انتويت ان اكتفي بالماء حتي وصولي الي البيت و حينها اتناول الافطار هناك , المهم لم تمر ربع الساعة حتي وجدنا من يوقف السيارة  ليوزع علينا علب من العصير، ابتسم الجميع و سروا حين اطمأنوا علي وجود ما يمكنهم الافطار عليه ، بعدها ببضع امتار وجدنا اخرا يوقف السيارة ليوزع نفس العصير و لكن العجيب ان الركاب بدأوا يأخذون منه مجددا كما لو انهم تناسوا ما اصابوه من الرجل الاول. اما انا فقدت اكتفيت بالقول "شكرا .. انا اخدت" و انا اشير اليه بعلبة العصير، لا ادري كيف فهم  الجملة لكن نظرات الجالس بجانبي هي التي شغلتني في تلك اللحظة فقد احسست انه كاد ان ينهرني بسبب ما قلته !
لم يمر علي حركة السيارة عشر دقائق حتي توقفنا مرة اخري و اذا بشاب يوزع علينا اكياس مملوئة بالطعام و العصير ! .. الكيس به زجاجة مياه معدنية  و عصير و تمر و خبز و حلاوة و جبن ….  ببساطة وجبة كاملة تستطيع ان تفطر عليها و انت مطمئن انك ستشبع ان شاء الله. مرت عدة دقائق حتي وجدت من حولي قد بدأوا في تناول العصير و هنا ادركت ان اذان المغرب قد حل وقته و بدأت انا ايضا في تناول الطعام و ان احمد الله علي هذا الرزق الذي رزقني به من غير حول مني و لا قوة ، اعلم انك تتسائل الان هل توقفت السيارة مرة اخري ام استكملنا الطريق حتي الوصول ، في الحقيقة بالفعل توقفنا اكثر من مرة و هناك من اعطانا عصائر رمضان و هناك من اراد ان يوزع علي الركاب طعام حتي بدأ البعض في حث الركاب علي الاكتفاء بما نالوه حتي الان و ان يحمدوا الله علي ما رزقهم به .

تناول الجميع الطعام و شبعوا و لله الحمد و لكن ما جال في خاطري في تلك اللحظات هو ان مصر “لسه بخير” ، حقا و الله اليست هي مصر التي اصاب اهلها حالة من الشعور باليأس بسبب ما يحدث في الفترة الاخيرة و اليست هي مصر التي تخطي اكثر من ثلث شعبها حاجز الفقر بمسافات و من منا لم يشاهد هذا المشهد المعتاد لسيدة او طفل يقلب يده داخل القمامة ليبحث عن طعام او عن اي شئ يمكن بيعه لشراء الطعام , اليست هي مصر ايضا التي يتحدثون عن ان اهلها قد ضاق بهم الحل و اصابهم الشح بسبب سوء حال معظم سكانها و تدهور حالتهم المعيشية.

كيف يمكن وضع هذا بجوار ذاك دون ان تصيبنا الحيرة و الدهشة ! هل هذه هي الطريقة المثلي للحساب ؟ .. هل المادية البحتة هي التي تجعلنا نعيش حتي الان ؟ لا اظن ان عاقلا قد يعتقد ذلك،  فمن منا يستطيع تفسير كيف يمكن لعامل النظافة الذي يتقاضي ثمانين جنيها ان يعيش عليهم لمدة شهر كامل دون ان يسرق او يختلس بالطبع , لا اعتقد ان الرقم قد صدمك فهو شئ شائع بين فئات المجتمع الفقيرة في مصر.
هل توصلت الي جواب ؟ بالنسبة لي فان مفتاح الاجابة يكمن في كلمة “البركة” بالاضافة الي كلمة “الرزق” و البقية يمكنك وضعها في اي صورة. و معني البركة يمكنك ان تلمسه في اشياء اخري غير المال -ان لم تكن تعاني مشكلة معه من الاساس-  فمن منا لم يلمس بركة الوقت او بركة العمل.


و طالما ان الامر متعلق بتقسيم الله للارزاق بين عباده فلماذا يعتقد بعضنا ان المال ماله و ان الوقت وقته و ان العمل من صنعه ! لماذا يتملكنا الشح عندما نحاول ان نبذل المال او الوقت في اوجه الخير. يقول الحبيب المصطفي “صلي الله عليه و سلم “ : { لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً - جياعاً - وتروح بطاناً - شباعاً }  

فهل يملك احد منا تلك الدرجة من اليقين في الله و طالما ان الامر كله بيده فلا داعي للندم علي ما فاتك لانه كان مقدرا لك ضياعه و لا تنسي ان تحمده علي ما رزقك به لانه جاءك بقدر الله. فالجود الجود و من يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون

أظهر التعليقات