حوار الطرشان في دوله المستبد

حين تتأمل معظم النقاشات و الخوارات التي تحدث في عالمنا العربي ، لا يسعك الي ان تري حوارات للطرشان. حوار يصر أطرافه علي اختلافهم  حتي لو كان كل منهم يؤيد و يخالف نفس الاشياء و كم رأينا حوارات عدة يحدث فيها ذلك ، فالحوارات و النقاشات في زمننا المعاصر اصبحت اقرب لسباق السرعة ، كل طرف يحاول ان يتكلم و يتكلم و نسي انه قد اعطي اذنان و لسان واحد. يتكلم لا ليرد علي فكرة طرحها محاوره –و لا أقول منافسه لأن النقاش الصحيح هدفه التعلم و الوصول للحق- و انما ليرد علي نفسه ! . معظم حواراتنا تبدأ من نقطة يحدث فيها الخلاف و تنتهي إما  بملل أحد الطرفين لاحساسه بعدم جدوي النقاش او ربما بشجار أو عراك و كثيرا ما يحدث الأمر الثاني.

لا شك ان ضعف مهارات التواصل و الحوار عند الشعوب التي عاشت أزمانا تحت قبضة الاستبداد له النصيب الاكبر فيما يحدث في عصرنا الحالي ، فمن عاش نصف عمره يتحسس الجدران قبل أن يتكلم لا ريب انه لم يتعود ان يسمع رأيا مخالفا بل لم يتعود أن يسمع رأيا اخر من الاساس، و قدرة الفرد علي التعايش مع مخالفيه هي سمة من سمات الشعوب الراقية و يزداد قدر الرقي اذا تمكن هؤلاء المختلفون من العمل سويا و الناظر في الأمم التي جمعت بين الاجناس و الشعوب و الثقافات المختلفة ووصلت الي تلك المرحلة كما حدث قديما في الاندلس و دولة الروم او حديثا كما في امريكا مثلا يجد ان استفادتها من التنوع و التباين الموجود بداخلها احدث طفرة كبيرة مكنتها من ان تجد مكانا في ركاب الامم المتحضرة و المتقدمة. و اذا اضفنا الي ضعف مهارات التواصل ضعف المستوي الثقافي بشكل كارثي حتي في من يفترض فيهم ان يكونوا علي درجة عالية من الفكر و الثقافة كأساتذة الجامعات و و المعلمين و الكتاب و الساسة و غيرهم ستجد أن المشكلة اصبحت أكبر و لا أدل علي ذلك من الحوارات و النقاشات التي تتحول الي شجارات علي شاشات التلفزة امام ملايين المشاهدين !

فالمجتمع الذي يتفشي فيه الجهل و الفقر كما هو الحال في مجتمعاتنا العربية يصبح فيه التعليم ترفا و التثقف تنطعا ، و لا عجب ان اصبحت لفظة “المثقفين” كلمة مشبوهة في بلدنا بسبب النماذج المخزية التي تدعي انتسابها الي تلك الفئة ، ثم ان التعليم هو أساس بناء العقول و صقلها فمتي ضعف اصبح المجتمع كقطيع الماشية يساق بالامر دون فهم منه و لا مناقشة و كيف يناقش و هو لم يتعلم اصلا ان اختلافه حق بل و واجب عليه احيانا ، و لذا يحرص المستبدون كل الحرص علي قلة العلم و نشر الجهل فتجدهم يقفون بالمرصاد للعلماء و المثقفين الذين يسعون الي توعية العامة و نشر المعرفة و متي فشلوا في ذلك افتضح امرهم فلا سلطان لمستبد الا علي من سلبت عقولهم.

ان اول متطلبات النقاش الفعال هي الاستماع و التحليل فمتي امتلكت القدرة علي الاستماع بانصات الي رأي احدهم فقد قطعت نصف طريقك نحو نقاش ناجح ثم  يأتي بعد ذلك التحليل فان كان لك رأي مخالف او علم في هذا المجال عرضته و و بينته و إلا انتظرت حتي تتبين مخافة ان تتكلم بغير علم ، وكلما ازداد المرء علما زاد صمته لعلمه ان ما يجهله اوسع كثيرا مما يعلمه ، فهو بحاجة الي الانصات اكثر من حاجته الي الكلام و لعلمه ان الكلام في غير موضعه اهدار و ان الحديث بغير علم جريمة ، و كلما ازداد مستوي النقاش رقيا كان في ذلك دليلا و برهانا علي علو المتناقشين أما ما نراه في ايامنا تلك من تصادمات متكررة  في معظم –ان لم أقل كل – النقاشات فهو دليل بين واضح علي حاجتنا الي طلب مبادئ العلم التي تزرع في داخل كل فرد أدب الخلاف الذي مبناه قول الامام الشافعي –رحمه الله- رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" و قوله ايضا لاحد اقرانه لما احتد بينهما النقاش “الا يسعنا ان نختلف و نبقي اخوانا” ، و ما الفائدة من النقاش و بذل الاوقات ان كان كل طرف سيدخل و هو مؤمن بأن رأيه صواب لا يحتمل الخطأ فعلام نبذل الاوقات طالما ان الحق و الصواب بحوزتنا ، أيطلب الانسان الشئ و هو لديه !؟

ختاما ان العلم و الحوار البناء مكملان لبعضهما البعض فكل منهما يؤدي الي الاخر و فساد احدهما يضر الاخر و في نضجهما مفتاح النجاة للأمم المقهورة فالمستبد ان سقط انما يسقط بدعوة مصلح استمعت لها الامة فوعتها و لبتها  فاهمة لاسبابها و حينئذ يتقزم المستبد و يظهر بحجمه الطبيعي امام العامة فيبعدوه عن استبداده او يقصوه من مكانه و يتسأئلون في عجب "لم سكتنا عن استبداده كل تلك الفترة !؟" .

أظهر التعليقات