هاجر ولكن لا تهجر

صديقي، هل يمكن ان احدثك بسر؟ منذ بضعه أعوام كنت حالما، مغرماً بتلك الخضرة البعيدة وحديثهم عن الرغد والحياة السعيدة، أنصت الي حديثهم فيطير عقلي مغرما بتلك القصص والحواديت العجيبة عن النظام الذي يسري في شرايين الجميع، الشوارع نظيفة، الجو رائع، تسألني عن الثلج؟ يقولون هو أيضا رائع ومن له صبر علي شمس اوطاننا الحارقة؟!

بقيت تلك الاحلام تداعب عقلي من آن لآخر، تخمدها صعوبات الحياة وشح الأموال ويوقظها حال الأوطان، أتدري؟ لقد كان ما حصل في ذاك الربيع حلماً جميلا حتى وان انتهي ككابوس، البعض استيقظ منه ليجد الجسد محتجزا بين أربع جدران والبعض ربما أفاق علي روح تتعذب، لا هي قد نعمت براحه الجهل كمن سبق ولا هنأت بلذة المجد، تتألم وهي معلقه بين سماء وأرض.

اكتب اليك بعد ان سافرت وترحلت، زرت بعضا من تلك البلاد، تلمست فيها عبق الأوطان فلم اجده، وبحثت عن الانسان فلم أعرفه، أتدري؟ قد أكثروا الحديث عن الانفتاح والاندماج، انفتاحهم له أبواب تسع الجميع حتى إذا ما دخلت انت بقيمك وعاداتك نظروا اليك شذرا وتساءلوا عن الاندماج. يا صديقي، ان كان حال الأوطان قد أدمي القلب فالحال هناك لا يسره، ومع ذلك فحديثي لك اليوم لا يزال عن الهجرة، ان كانت الهجرة هي الحل فهاجر.

البعض قد هاجر، ترك الاهل والوطن ومعهم قد ودع القيم والعادات بعدما ودع الاصدقاء، ماذا يبقي للمرء إن خلع عن نفسه رداء الأصالة والهوية؟ قابلت بعضهم فوجدته سعيدا راضيا بهذا الاندماج ككلفه صغيره في نظره لرغد العيش المادي، عيناه قد غشاها وهم النجاح. يا صديقي، الهجرة في ذاتها ليست نجاحا وإن كان من السطحي ان يتباهى الانسان برداءه وثوبه فحري به الا يكون مصدر عزه الوحيد بطاقة هويه تُمنح بعد بضعه أعوام لكل مقيم.


لربما قد تحول تأثرك بتلك المجازر الشنيعة التي ارتكبت في حق الأبرياء العزل، وسخطك على الظلم الي سخط على الوطن وكل ما ارتبط به، لكن للأسف يا صديقي قد ولي زمان العدل العمري بلا رجعة حتى الان، وبعد عدة أشهر من الان سيتذكر العالم أيضا ما حدث على تلك الأراضي الخضراء الجميلة -المحاطة بالأوربيين المتحضرين من كل جانب- حين ارتكبت أبشع مجزره في حق مسلمي البوسنه مات فيها الالاف!!

حينها ايضا لم تتحرك للشرق ولا للغرب جفنه عين حتى انتهي السفاح من هجمته التي سبقتها وتبعتها مأسي يندي لها الجبين في حق أبرياء لم يكن لهم ذنب الا ان النظام في هذا العالم لم ير في انقاذهم مصلحه ماديه محققه ذاك الوقت.


هاجر ولكن لا تنسي ان اول كلمه في الوحي كانت أقرأ فتفحص وتمحص وتساءل عن جدواك في تلك الحياة. هل تهاجر لتصبح رقما يضاف الي عداد الشباب الذي قد شح في هذه البلاد؟ وهل غاية الامل والمني عندك هي في الالتحاق بتلك الشركة متعددة الجنسيات التي لا تري بأسا في دهس الملايين ان كانت النتيجة صفراً جديداً يضاف الي يمين حساب قيمتها السوقية كل بضعه أعوام؟


الهجرة يا صديقي قد تكون وسيله ولكنها بلا شك لا يمكن ان تكون هي الغاية، فكل خطوة تخطوها هي مستقبل جديد يبدأ عند نهاية أثر سعي اقدامك، تذكر هذا ومعه تذكر مستقبل الاجيال من بعدك وتأمل، ان العاقل لا شك سيفطن لأسباب إصرار بعض تلك الدول على احتضان أبناء الجيل الثاني بشراسه مخيفه تبدأ بمدارس تغرس قيماً يتعارض بعضها مع أسس الدين السليم وتمتد الي المشاركة في خطوات التنشئة والتربية.


لطالما تحدثوا عن سطوه ثقافة الغالب علي المغلوب، لازلت أتبسم كلما تذكرت هذا الشاب الاندلسي الجالس في وسط ساحات قرطبة يجاوره اخر قد جاء من بلاد الغال البعيدة ليتعلم، يجيد العربية بطلاقه عجيبة وتتملكه نشوه عامره كلما تسلسلت منه كلمه بعد الأخرى في فصاحة يحسده عليها أبناء وطنه الحالمين بالنبوغ واستقاء علوم الحياة من منابعها.

أسمعك يا صديقي ولا اخالفك في ان الزمن لم يعد كالزمن، ولكن فرق كبير بين ان تسعي لامتلاك أدوات المعرفة الحديثة وبين الغرق في السعي لتتبع تفاصيل ثقافه الغالب، اياك ان تخطأ التفريق بين ما سبب التقدم وما صاحبه، ستدرك قطعا ما اتحدث عنه حين تشاهد هذا الصديق تملأه نفسها ذات النشوة حين يشاهد طفله يتعسر عن الرد على تحيتي بالعربية ثم يسرع بعدها في الإجابة حين أعاد الاب السؤال بإنجليزيه لم ترق في ذاك السياق.


هاجر يا صديقي ولكن لا تنسي ان الربان حتى وان تحملت سفينته مُدافعَة تلاطم الأمواج لا بد له من وجهه واتجاه والا ضاع عمره في بحر يسع الجميع ويفتح لهم شطئانه في ظنهم بلا حساب.

اعلم يا صديقي ان الامر لا يقف عند حيز المكان فقد يهاجر المرء بروحه حتى وان ابقي الجسد الرحال في ارض الوطن، لا بأس لك من بعض الوقت المستقطع تتلمس فيه الطريق من جديد، لنقل انها استراحة محارب، يعد فيها العدة مره اخري، وينفض فيها عن كاهله ما شابه من اليأس والإحباط. ان كنت موصيا يا صديقي فوصيتي لك هي الا تدع لليأس مكانا في قلبك، دع عنك من ألفوا العويل والصراخ وأطلق بكل عزم من جديد نظرك الي المستقبل ثم تفكر فيما يمكن ان تصنعه في حيز الإمكان والزمان والمكان، خذ بالأسباب واستعن، ضع خطه، تدارس الامر وان تطلب فاطلب العلم وبعده العمل. الأمر لا شك سيكون شاقاً ولكن من جديد ان كان الهدف واضحاً فحتي وان طال التجديف لابد للسفينة من الوصول الي عوالم اخري ولو بعد حين.

صديقي تذكر، اقرأ باسم ربك الذي خلق ثم هاجر!

مراجع:

سيغريد هونكه، "شمس الله تشرق على الغرب: فضل العرب على أوربا"

مذبحه سربرنيتسا

أظهر التعليقات